أخبار دوليةأخبار عربية ودوليةاخبار الصحف العالميةتحقيقات وملفات

المال القطري والنفوذ السياسي في ألمانيا




تقول الرواية إن قطر تعترض على اندماج "دويتشه بنك" مع "كوميرتس بنك" خوفا من خسارة المزيد من مالها الذي استثمرته في البنك الأهم في ألمانيا. لكن السؤال هو هل وراء الاعتراض مصلحة اقتصادية أم الحصول على ضمانات ومكاسب سياسية؟ في سابقة غير مألوفة في ألمانيا تضغط الحكومة ممثلة بوزير ماليتها أولاف شولتس لتنفيذ خطة تهدف إلى ولادة أكبر مصرف أوروبي من خلال دمج أكبر مصرفين يواجهان أزمات مالية في البلد، أي "البنك الألماني/ دويتشه بنك" و"بنك التجارة/ كوميرتس بنك". غير أن خطة الاندماج هذه تواجه حسب وسائل إعلام أمريكية وألمانية عثرات من أبرزها معارضة مساهمين بارزين في البنك من بينهم عائلة الإمارة القطرية.
وتمتلك هذه العائلة عن طريق هيئة الاستثمار القطرية السيادية أكثر من 6 بالمائة من أسهم البنك العملاق الذي يعد أكبر بنك ألماني. وإضافة إلى هذه النسبة تقدر ملكية القطاع الخاص القطري في البنك بنحو 3 بالمائة من أسهمه.
وجاء في مبررات الاعتراض القطري وفق معلومات أجمعت عليها مصادر متعددة أن الأمراء القطريين يخشون من تقليص حصتهم في البنك وتكبد المزيد من الخسائر إذا قرر المصرف الألماني زيادة رأسماله من خلال طرح حزمة جديدة من الأسهم للبيع من أجل تمويل صفقة الاندماج المتوقعة مع "كوميرس بنك".
وتفيد آخر المعطيات المتوفرة أن القطريين خسروا أكثر من ثلثي أموالهم التي ضخوها في دويتشه بنك منذ عام 2014 بسبب تراجع قيمة سهمه التي انحدرت إلى 7 يوروهات للسهم الواحد أواخر الشهر الجاري مارس 2019.
الخسائر المالية ليست مهمة
غير أن موقف الجانب القطري في هذا الوقت بالذات تجاه الاندماج يثير التساؤل عما إذا كانت المخاوف القطرية جاءت بسبب الخسائر المالية أم لأسباب أخرى ذات طابع سياسي.
ويدعم هذه التساؤلات عدم ظهور مثل هذه المخاوف خلال السنوات القليلة الماضية رغم استمرار تراجع قيمة أسهم البنك بشكل دراماتيكي أحيانا. كما لم تظهر تلك المخاوف رغم خسارة العائلة المالكة القطرية مليارات أخرى في أسهم شركة صناعة السيارات الألمانية العملاقة "فولكسفاغن" منذ أن اشترت 17 بالمائة من أسهمها بقيمة تزيد عن 12 مليار دولار في عام 2009. ولا تبدو النتائج المالية لاستثماراتها في عملاق الطاقة "سيمنس" أو النقل البحري "هابك- للويد" أو عملاق البناء "خوختيف" وردية.
وتستثمر الدولة القطرية في الشركات الألمانية العملاقة أكثر من 25 مليار يورو. وإذا أضفنا إليها الاستثمارات القطرية الخاصة فإن المبلغ يزيد على ذلك بعدة مليارات. وقد وعد أمير قطر خلال زيارته إلى برلين خريف العام الماضي بضخ 10 مليارات إضافية في الشركات الألمانية. ومن شأن ذلك أن يجعل الدولة الصغيرة أكبر مستثمر عربي وشرق أوسطي في ألمانيا متقدمة على الكويت التي تستثمر بما قيمته نحو 27 مليار يورو غالبيتها في شركة دايملر التي تنتج سيارات مرسيدس الشهيرة.
الاستثمار في النفوذ السياسي
،تركز الاستثمارات القطرية على الشركات العملاقة وفي مقدمتها كارتل شركات مؤشر البورصة الألمانية "داكس" الذي يضم أهم 30 شركة ألمانية من أهمها "دويتشه بنك وفولكسفاغن وسيمنس". والملاحظ أن هذه الاستثمارات جاءت للمساهمة في إنقاذ هذه الشركات عندما واجهت أزمات مالية خطيرة من تبعات الأزمة المالية العالمية ونتيجة الغرامات الأمريكية والأوروبية بسبب فضائح الفساد والتزوير وغسيل الأموال وسوء استخدام الموارد المالية.
ومن المعروف أن للكثير من شركات مؤشر داكس تأثير كبير على صنّاع القرار السياسي في ألمانيا لدرجة أنه يُطلق على المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر اسم "مستشار السيارات".
ويأتي ذلك للتعبير عن الدور الكبير لشركات السيارات في وصوله إلى الحكم مقابل دعم وتسهيلات قدمها لها بعد تسلمه مقاليد المستشارية. ومن المعروف أيضا أن بقاء المستشار الراحل هيلموت كول في السلطة ارتبط إلى حد كبير بدعم "دويتشه بنك" وبنوك ألمانية أخرى له. على ضوء ذلك ومن خلال تمسك عائلة الإمارة القطرية بأسهمها في الشركات الألمانية رغم الخسائر التي تتحملها يمكن ترجيح فرضية أن قطر ليست مهتمه بالربح بقدر اهتمامها بالميزات ذات الطابع السياسي من خلال الاستثمار في هذه الشركات التي تتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي واسع. ولا يغير من ترجيح هذه الفرضية التصريحات القطرية والألمانية التي تفيد بأن الاستثمار مرده فقط إلى السوق الألمانية المستقرة والواعدة.
مزايا الاستثمار في داعمي صناع القرار
،تظهر الأهمية السياسية للاستثمارات القطرية في الشركات الألمانية على أكثر من صعيد. على سبيل المثال عندما تعرضت قطر لحصار الأشقاء الأربعة "السعودية ومصر والإمارات والبحرين" كانت ألمانيا في مقدمة الدول التي مدت السوق القطرية بكل ما يلزمه من مواد غذائية واستهلاكية. كما أن موقف الخارجية الألمانية من الأزمة بين قطر وأشقائها أيد الموقف القطري رغم نفي المستشارة ميركل لذلك مؤخرا. ومقارنة مع السعودية التي يتم التشهير بسياساتها في وسائل الإعلام ومراكز صنع القرار الألمانية بشكل شبه يومي، فإن الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان، وخاصة حقوق العمال الأجانب في دولة قطر شبه غائب.
ويتم انتهاك هذه الحقوق بشكل خاص في مشاريع بناء ملاعب وتجهيزات كأس العالم 2022 بتكلفة عشرات المليارات وبمشاركة عشرات الشركات الألمانية. وعلى ضوء ذلك فإن قطر لن تتردد على الأرجح في ضخ المزيد من الاستثمارات في أسهم الشركات الألمانية وفي مقدمتها 10 مليارات يورو وعد بها الأمير تميم بن حمد آل ثاني. أما معارضتها لاندماج أكبر مصرفين ألمانيين فإن الهدف منها إضافة للنفوذ السياسي، هو محاولة الحصول على ضمانات من الحكومة الألمانية وممثلي الاقتصاد للاستثمارات القادمة بعد الخسائر الفادحة التي منيت بها الاستثمارات الحالية.
هذا المحتوى من موقع دوتش فيل اضغط هنا لعرض الموضوع بالكامل

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق