أخبار دوليةأخبار عربية ودوليةاخبار الصحف العالمية

“وداعًا أم الحيران”.. فلسطينيات يوثقن اللحظات الأخيرة قبل هدم الاحتلال منازلهن




كتبت- هدى الشيمي ورنا أسامة:

بعد سنوات من المعارك القانونية المُرهقة وهدم المنازل وغارات الشرطة ووقع حوادث عنيفة أسفرت عن مقتل أشخاص، سيتم إخلاء قرية أم الحيران البدوية، التي تقع في النقب جنوب جبل الخليل في فلسطين، إلى الأبد بعد تخصيص الأرض لمتسوطنين يهود.

قالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إن مئات العائلات بدأت بالفعل عمليات الانتقال إلى بلدة حورة البدوية الكبيرة، بموجب اتفاقية تعويض موقعة بالإكراه، ما دفع مواطني القرية لاسيما النساء إلى توثيق كل ما تبقى فيها حتى لا ينسوها.

في كتاب نُشر مؤخراً بعنوان "أم الحيران- لحظات وداع قرية" يوجد مجموعة من الصور التي التقطتها نساء عشن في القرية، من المُقرر أن تُغادرتها قريبًا، ففي أبريل 2018، لم يكن أمام سكان القرية بديل آخر سوى التوقيع على اتفاقية الإخلاء والانتقال إلى حورة، خاصة وأنهم عاشوا ظروفًا قاسية ومروا بحرب طويلة.

ذكرت هآرتس أن النساء حرصن على توثيق هذه الفترة الحزينة، وشاركن في مشروع "يُصوّرونا" الذي يديره منتدى النقب للتعايش من أجل المساواة والمدنية على مدى السنوات الأربع الماضية.

تمكن سكان أم الحيران من تحويل لغتهم ومشاعرهم إلى صور فوتوغرافية، بعد تلقي المشاركون في المشروع دروس وتعليمات لفهم كيفية التقاط صور ومقاطع فيديو، بالإضافة إلى معلومات متعلقة بقضايا حقوق الإنسان، كما أوضحت هآرتس أنهم كانوا يوثقون الحياة في أم الحيران، ويعرضون ما التقطوه من مواد خلال التجمعات الأسبوعية التي كانت تُعقد في مقر المنظمة غير الربحية.

"وداعًا أم الحيران".. فلسطينيات يوثقن اللحظات الأخيرة قبل هدم الاحتلال منازلهن

تتمثل أكبر مخاوف رمال أبوالكيان، 35 عاماً، وهي أم لخمسة أطفال ولدت وترعرعت في أم الحيران، في أن ينساهم الجميع. تقول: "من المهم بالنسبة لي تصوير كل شيء للحفاظ على ذكريات قريتي ومنزلي". كما أن التصوير يساعدها على مواجهة مخاوفها، فالكاميرا تعطيها القوة.

حسب هآرتس، فإنه من المفترض أن تغادر رمال وعائلتها إلى حورة، ولكن منزلهم الجديد لم يكتمل، فلا يزال هو والكثير من المباني الأخرى في طور الإنشاء.

تشعر السيدة الفلسطينية أنها ستغدو "كائناً فضائياً" في حورة، ستترك كل شيء وتقتلع جذورها وتغادر البلد الذي تنتمي إليه. تقول: "الرحيل مؤلم".

وجد المصور والفنان الإسرائيلي ميكي كراتسمان أن ألبوم الصور الذي التقطته نساء أم الحيران ليس له مثيل، كتب في مقال نُشر مع الكتاب: "لا يوجد عمل فوتوغرافي أكثر دقة أو صحة من هذا العمل، مجتمع يوثق نفسه بنفسه". وما يزيده دقه حسب المصور الإسرائيلي هو أن النساء اللواتي يعرفن تفاصيل المكان جيداً هن من يلتقط الصور ويُخزن الذكريات.

أثناء توثيقهن للأيام الأخيرة لأم الحيران، التقطت النساء لمحات من حياة الجالية اليهودية التي ستحل محل أهالي البلدة. وكذلك التقطت صوراً تُذكر الجميع بالدمار والخراب، منها صورة لأحد الجرارات التي تهدم المباني.

"وداعًا أم الحيران".. فلسطينيات يوثقن اللحظات الأخيرة قبل هدم الاحتلال منازلهن

ما من شخص يطلع على الكتاب حتى يشعر على الفور بالحزن العميق النابع من النصوص والصور، تقول هآرتس إن ألبوم الصور الخاص بأم الحيران يُسلط الضوء على الأزمة التي يعيشها المجتمع، ويوضح مدى فداحة ما يتعرض له البدو. وتقول عائشة أبو الكيان، 45 عاماً وأن لثلاثة أطفال، إن مجتمعهم ينهار بعد ذهاب البعض إلى حورة فيما لا يزال البعض في أم الحيران.

لا تعترف حكومة الاحتلال بأم الحيران، لذا لا يحظى سكانها بأي خدمات طبية أو صحية أو ماء أو كهرباء، ما دفع أهلها إلى استخدام مولدات كهرباء خاصة، كذلك يذهب معظم طلابها إلى مدارس في حورة. وهجرت سلطات الاحتلال سكان القرية عام 1948 من أراضيهم إلى قرية اللقية، وفي 1956 نقلتهم من اللقية إلى وادي عتير حيث هم اليوم.

في عام 2002، تلقى القريون أوامر الإخلاء والهدم للمرة الثالثة، لأن الحكومة قررت إعادة توطينهم ولكن هذه المرة من أجل بناء مجتمع للجالية اليهودية. أشارت هآرتس إلى أنه بين عشية وضحايا أصبحت أم الحيران رمزاً للكفاح ضد إخلاء البدو والجاليات العربية في إسرائيل لصالح يهود البلاد، بعدها انطلقت معارك قانونية طويلة، واحتجاجات ومظاهرات وغارات شنتها شرطة الاحتلال.

رفضت دولة الاحتلال طلب القرويين بالبقاء على أرضهم والعيش بين الجالية اليهودية الجديدة، وفي مايو 2015 رفضت المحكمة العُليا الالتماس الذي تقدموا به ضد إخلاء وهدم قريتهم، رافعة لافتة "لليهود فقط"، وفي نفس العام بدأت عمليات بناء المواقع الجديدة التي من المقرر أن تضم 12 ألف شخص.

وفاة مأساوية

التصعيد في أنشطة هدم المنازل بأم الحيران تصدّر عناوين الصحف يوم 18 يناير 2017، حيث حوصِرت من قِبل عدد كبير من شرطة الاحتلال قبل بزوغ الفجر، تم نشرهم من أجل حراسة القوات المُكلّفة بتدمير 6 منازل في ذلك اليوم. همّ موسى أبوالكيان، وهو مدرس، لجمع أغراضه ومُغادرة منزله، رغبة في عدم مشاهدة عملية الهدم.

دخل سيارته وبدأ في القيادة هربًا عندما أمرته شرطة الاحتلال بالتوقف وأطلقوا عدة طلقات على السيارة. أُصيب أبوالكيان بجروح خطيرة، وفقد السيطرة على سيارته وفي النهاية نزف حتى الموت. تدحرجت السيارة على تل بسرعة حتى دهست شرطيًا وجرحت آخر، بحسب هآرتس.

فور الحادث، أعلن مفوض شرطة الاحتلال روني الشيخ ووزير الأمن الداخلي جلعاد أردان، أن الهجوم كان إرهابيًا متعمدًا. ومع ذلك، خلُص تحقيق داخلي أجرته الشرطة بعد عام من الحادث المأساوي إلى أنه من غير المحتمل أن يكون هجومًا إرهابيًا وأن السائق فقد السيطرة على سيارته وكان يسير بسرعة حوالي 10 كيلومترات في الساعة لإصاباته بطلق ناري.

ووجد المحققون أيضًا أن أبوالكيان لم يتلق علاجًا طبيًا ونزف حتى الموت بعد إصابته. بالإضافة إلى ذلك، أقرّ مُحقّقو جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) بأنه من غير المُرجّح أن يكون أبوالكيان تعمّد دهس شرطي. ومع ذلك في أبريل 2018، قرر المدعي العام لدولة الاحتلال، شاي نيتزان، إغلاق القضية لكنه لم يُعفه.

"وداعًا أم الحيران".. فلسطينيات يوثقن اللحظات الأخيرة قبل هدم الاحتلال منازلهن

وبعد صراع مُنهِك ومأساوي، استسلم القرويون لشعورهم بعدم وجود بديل، فوقّعوا اتفاقًا يقضي بأن "يتركوا أرضهم وينتقلوا إلى الحورة مقابل تعويض". حتى الآن انتقلت 10 عائلات (حوالي 100 شخص)، ولا تزال هناك 300 أسرة في أم الحيران بينما منازلهم في حورة قيد الإنشاء.

قالت عائشة للصحيفة وهي تتألم بشكل واضح "لم ننسَ يعقوب"، مُضيفة "إنه يعيش في أذهاننا ولن تُمحى ذكراه. نحن نتحدث عنه كل يوم". أشارت هآرتس إلى أن ألبوم الصور الجديد الذي أنتجته وغيرها من القرويات، والذي يتضمن صورًا توثّق ذلك اليوم المأساوي عام 2017، تم تكريسه لإحياء ذكرى يعقوب.

تابعت عائشة: "عندما أتحدّث إلى الناس عن هدم المنازل وعمليات الإخلاء، فهذا يعني شيئًا، بالطبع، لكن عندما يرى الناس صورنا، فإنها تمدّهم بمثال أقوى يُجسّد المِحنة التي كان علينا أن نتحملها جراء التمييز والعنصرية". وأضافت "أرغب أن يرى الناس ما ممرنا به. التصوير الفوتوغرافي يمنحني الشجاعة والقوة للتكيّف مع وضعنا".

وصفت عمليات إخلاء قريتها التي أفضت إلى الانتقال إلى الحورة بأنها "عنصرية صارخة". وقالت لهآرتس "كنا خائفين. كانت الشرطة تأتي كل يوم حتى أصبح الأطفال قلقين ومذعورين. أجبرونا على التوقيع على الاتفاق والإخلاء. لم يكن هذا خيارًا، فقد اضطررنا للقيام بذلك. لقد تركونا بدون خيار آخر".

أخذت نفسًا عميقًا وأكملت: "أطفالنا يدفعون ثمنًا باهظًا. على مدى فترة طويلة من مشاهدتهم عمليات هدم المنازل وغارات الشرطة، تعرّضوا أطفالي لصدمات نفسية شديدة. كانوا خائفين من مغادرة غرفهم والتحرك في أرجاء المنزل. جميع أطفالنا يخافون النوم ليلاً".

تبني عائلة عائشة منزلًا في الحورة. وقالت "لا أرغب في الانتقال إلى هناك، لكن ليس بيدي حيلة. أحلم أن نعيش في منزل بأمن وراحة بال دون يغزونا أحد ويهددنا ويخيفنا".

الحرية والقيود

ساعدت هالة أبوفريح، 28 عامًا، الحاصلة على شهادة في الدراسات الثقافية من كلية سابير الأكاديمية، في تدريب نساء أم الحيران على التصوير الفوتوغرافي.

قالت أبوفريح التي ولدت في قرية غير مُعترف بها في الجنوب ثم انتقلت مع أسرتها إلى مدينة رهط البدوية إن "العمل مع هؤلاء النساء أثار الكثير من ذكريات طفولتي".

وتابعت في حديثها إلى هآرتس: "من خلالهم، أتذكر جذوري. أرى أمامي مجتمعًا تم اقتلاعه ونقله، رُغمًا عن إرادته، إلى مكان غريب عن أسلوب حياته"، مُضيفة: "كان على أسرتي أن تتبع مسارًا مشابهًا، ما جعلني أرى كم فقدنا ثقافتنا وطريقة حياتنا الطبيعية".

أما سحر (اسم مُستعار)، وهي أم لخمسة أطفال تبلغ من العمر 27 عامًا، وقد التحقت بمشروع التصوير الفوتوغرافي قبل عامين، فقالت "إننا بشر مثل الإسرائيليين تمامًا. نرى كيف يتم إمداد مدينة الحيران الجديدة الآن بالبنية التحتية، رغم أننا طلبنا ذلك لسنوات ولم يحدث ذلك مطلقًا. لقد انتهكوا حقوقنا الأساسية في كل منطقة، والآن نرى كيف يُمهّدون طريقًا جديدًا مناسبًا لحيران. "

جاءت سحر إلى أم الحيران بينما كانت في الـ19 من عُمرها بعد زواجها من رجل محلي. وأوضحت "أحب التقاط صور بالقرب من المنزل. أصور أطفالي الصغار والماعز والطبيعة والمناظر الطبيعية".

"وداعًا أم الحيران".. فلسطينيات يوثقن اللحظات الأخيرة قبل هدم الاحتلال منازلهن

وأضافت "في صوري الفوتوغرافية، أحب أن أُظهِر مدى جمال قرية أم الحيران وارتباطي بها. التصوير الفوتوغرافي يعطيني شعورًا بالسلام والهدوء. عندما أصوّر أشعر أنني أتنفس".

لكن الآن تعتقد وأُخريات أن الانتقال إلى حورة من شأنه أن يحِدّ من حريتهن ويفرض مزيدًا من القيود عليهن، وفق هآرتس.

وفسّرت سحر هذا الشعور بالقول: "في أم الحيران، كلنا جزء من عشيرة واحدة صغيرة ومألوفة وأسلوب بنائها مختلف عن الحورة".

وتابعت "يمكننا في بعض الأحيان مغادرة المنزل دون حجاب، والتحرّك بحرية. لا يوجد رقابة صارمة أو قيود خطيرة، بخلاف الحورة فهي أكبر وتضم أشخاصًا من عشائر أخرى. سنحتاج أن يُرافقنا أحد عند الانتقال من مكان إلى آخر. طريقتنا في الحياة كلها ستتغير".

وأضافت "كل شيء مُعلّق الآن. لكننا نحلم أولًا وأخيرًا أن نعيش على أرضنا دون اقتلاعها".

في رسالة مُصاحبة لصور سحر في الكتاب الجديد، كتبت: "أحلم أن تكون حياتنا مستقرة، وأن يكون هناك استقرار في منازلنا واستقرار عاطفي لأطفالنا. أن أكون قادرة على إصلاح الأشياء في منزلي دون التفكير في أنه سيُهدم".

المصدر: مصراوي

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق