أخبار دوليةأخبار عربية ودوليةاخبار الصحف العالميةتحقيقات وملفات

“عانت من الجوع بسبب مرضها”.. ريتا بولس لبنانية حولت منزلها مطبخا للفقراء


في حي الأشرفية وفي الجهة المقابلة لإحدى مستشفيات مدينة بيروت اللبنانية، منزل متوسط المساحة، يلحظ المارة بابه المفتوح معظم ساعات النهار، أصوات العاملين بداخله لا تنقطع، ما يجعل المارين يقفون أمامه متسائلين، ماذا تفعل هؤلاء السيدات بالداخل؟، فتأتيهم الإجابة من أحدهن، "هاد بيت ريتا بولس حولته لمطبخ بتوزع منه طعام للفقراء".
زيارات السائلين التي لا تنقطع عن البيت خاصة في المواسم والأعياد، البسمة التي ترتسم على الوجوه وينقلها صوت ريتا بولس عبر تطبيق "واتس آب"، جعل تلك السيدة التي لا يتجاوز عمرها الـ 31 عاما، أول سيدة في لبنان والشرق الأوسط، تكرس بيتها كله لطهي الأطعمة وتوزيعها على الفقراء، من خلال جمعية أسستها أبريل 2018 تسمى "أنا كمان جعت".

"أنا كمان جعت"، لم يكن شعارا اتخذته ريتا لحملتها لمساعدة محتاجي الوطن وفقرائه، لكنها تجربة مرت بها، أو كما تصف ريتا تحديدا "مرت خلالها"، ترك أثرها في نفسها لأكثر من أحد عشر عاما ورحلت، لكنها لم تغب عن ذاكرة ريتا للحظة، ما زالت تذكر تلك الأيام التي كانت تضطر فيها إلى البقاء يوما أو يومين بلا طعام، حتى تتمكن من جمع مبلغ من المال تستخدمه في الحصول على جرعة العلاج المطلوبة بعد إصابتها بفيروس في الكُلى، "هذا المرض تطلب مني أن أذهب كل أربعة أشهر لأخذ الجرعة، كانت غالية جدا وما كان معي مصاري، كنت أتداين لحتى فوت على المستشفى. كنت أبقى ليوم أو يومين أبقى بلا طعام وكان ربنا يبعت لي أناس ما بعرف من وين بيجيبوا لي طعام".
"عانت من الجوع بسبب مرضها".. ريتا بولس لبنانية حولت منزلها مطبخا للفقراء
يمكن للمرء أن يبيع كل ما يملك، تُسلب بإرادته حقوقه الأساسية والطبيعية في الحصول على الطعام والشراب، نظير جزء من الثانية يخف فيها وجعه ويسكن بعيدا عن جسده، ألم الكُلى الذي لم يبارح ريتا طوال فترة مرضها، أنساها البحث عن الطعام لكنه لم ينسها الشعور بالجوع، والخزي بعدما لم تجد من يقف بجانبها من المقربين، ظل الجوع صداع يدق برأسها، فتتألم كلما رأت محتاجا في طريقها يشكو قلة الطعام أو الشراب، "بعدما شفيت ووقفت على قدمي ثانية، قررت أن استأجر البيت وبقيت فيه مع أولادي الثلاثة، وقررت فتح أبوابه مجانا أمام كل جائع ومُحتاج، مادمت أحيا وفيّ نفس بيطلع وينزَل"، في البداية كانت تقوم بمهمة طهي الطعام وحدها ولكن بعد ذيع صيت بيت الفقراء بالأشرفية، جاءتها سيدات من البقاع وزحلة وغيرهما من المدن اللبنانية لمساعدتها في طهي وجبات الطعام كل يوم. "البيت مفتوح ليلا نهارا لأنه الجوع ما إلو موعد، فيه ناس بتستحي تفوت علينا بالنهار، وبتجي بالليل تأخذ حصتها من الطعام".
"عانت من الجوع بسبب مرضها".. ريتا بولس لبنانية حولت منزلها مطبخا للفقراء
"كل يوم بنطبخ لأكثر 35 عائلة، غير المشردين والمرضى والمسنين، كل شهر ونصف أو شهرين أيضا بنوزع مواد غذائية لأكثر من 250 عائلة ببيروت. التمويل عندنا بيكون ذاتي يعني أنا أو أناس فاعلين خير بيجيبوا أغراض الطبخ وبيساعدونا مش بس بيجوا من بيروت"، تتحدث ريتا التي لا يهدأ ولا يكل العمل في بيتها، بعد أن تحول إلى مطبخ كبير، كل ركن وبقعة به تشهد بما تفعله، موائد كبيرة تتراص عليها كميات هائلة من المواد الغذائية، كل يعرف مهمته ولا يئل جهدا في تأديتها، حتى المسنات اللاتي تأتين عادة لمساعدة ريتا، تسند إليهن المهام الأخف وطأة، مثل تقطيع الخضراوات أو تعبئة الطعام بعد الانتهاء من طهيه، ساعدتها وسائل التواصل الاجتماعي في تعميم مشروعها وإعلام الجميع به، "أنا ببعت للناس من خلال صفحة الجمعية ومن قبل رمضان بيوم إنه كل العائلات ياللي مش قدرانة تطبخ في بيتها وما معها مصاري تيجي على البيت هو مفتوح دائما وتأخذ ما تحتاج"، في رمضان تتزايد ساعات العمل في مطبخ الفقراء التابع لريتا، تتزايد كذلك أعداد السيدات اللاتي أحضرهن لإعداد وجبات الإفطار التي تعد بالمئات، تحاول أن توفق بين هذه المهمة ومهنتها الأخرى وهي صناعة "مسابح الصلاة" يدويا وبيعها، "أنا بالأصل بصنع مسبحة للصلاة هاند ميد وببيعها من خلال صفحة عندي على فيس بوك".
"عانت من الجوع بسبب مرضها".. ريتا بولس لبنانية حولت منزلها مطبخا للفقراء
بدون أي دعم رسمي أو حكومي، أصبح منزل ريتا ومقر الجمعية المجاور له ملاذا لمن لا سقف يأويه، والوجهة الأولى لمن يأكل البرد عظامه أو يعاني ويلات الشمس الحارقة، فبعد أن نجحت ريتا في تهيئة المطبخ وتوسعته ليكفي عشرات بل مئات المحتاجين، أحضرت كمية من الأسرّة والبطاطين، لاستقبال المشردين الذين يدقون بابها كل يوم طلبا لتوفير مكانا للنوم. "نحنا بنتطلع إنه الفكرة توسع وتشمل كافة البلدان العربية، ويكون بكل بلد عربي بيت واثنين وثلاثة للفقراء والمشردين".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من النسخ !!
إغلاق