اخبار المنوعات

نعيم صبرى يستعيد ذكرياته مع نجيب محفوظ



«وأنا.. وأنا مفتون بالإغراء وبالأشجان

أشجان ترحل، تأتى، ترحل، تأتى.. أشجان

مأخوذًا أخرج حيث الفجر، وحيث اللون

الفضة والآفاق الوردية فوق جبين الكون

أتجوَّل فى شريان يدخل فى شريان»..

هكذا ولج نعيم صبرى، بوابة الشعر مفتونا بالإغراء وبالأشجان، والوصول إلى قلب ابنة الجيران، ورفض الحرب والدمار فى فيتنام، وبإيعاز من صديق، يجمع لبناته الأولى الحبلى بالأفكار البريئة فتخرج، أواخر الثمانينيات، ديوانا يمشى على قدمين، يحمل عنوان «يوميات طابع بريد»، على نفقته، ينتج بنفس الطريقة 13 كتابًا آخرى.. يقول نعيم صبرى «فى إحدى جلسات الأستاذ نجيب محفوظ، بكازينو قصر النيل، وزعت كتابى «يوميات طفل قديم»، سنة 95، وأذهلتنى ردود الفعل فى هذا النطاق الضيق، ولأنه نطاق محفوظ وعبدالقادر القط والغيطانى والأبنودى.. تشجعت على كتابة السرد والرواية».

بتشجيع من الروائى العالمى، قرأ نعيم صبرى على الأستاذ، كان يقرأ له 3 أيام أسبوعيًا، وفى كل مرة يقرأ لمدة ساعة كاملة.. «وبعدين بصنعة لطافة يدفعنى الأستاذ للكتابة، يفاجئنى بالسؤال: مش ناوى تكتب حاجة جديدة بقى».

كان نعيم صبرى يتعجب من دقة الأستاذ وتنظيمه للوقت رغم انشغالاته المتعددة، يمارس عمله بالأهرام ويكتب رواياته بانتظام، ويلتقى الأصدقاء ويعقد الندوات ولا يتأخر عن موعد أبدًا.

■ «صافينيى مرة».. أحدث رواياتك ما دلالة الاسم وعلاقة الرواية بأغنية عبدالحليم؟

– الرواية تحكى عن جيل ثورة 1952، وروحه، جيل بدأ وعيه يتكون مع هذه الأغنية، وغيرها من أغنيات عبدالحليم، وصوته الذى أصبح يرمز للثورة، ولهذا اخترت أن يكون ذلك عنوانها، لتحكى وتعبر عن جيل عاش أزهى عصورها وانتصاراتها، جيل فرح بجلاء الإنجليز، وقرار تأميم قناة السويس، والوحدة بين مصر وسوريا، ثم بناء السد العالى وحلم التصنيع الثقيل، ثم بدأ يعانى مع انكساراتها، حتى كانت الضربة القاصمة بهزيمة يونيو 1967، التى كسرت هذا الجيل بأكمله، وما تبعها من أحداث؛ منها تنحى الرئيس جمال عبدالناصر، ونزول الناس إلى الشوارع، وضياع الآمال التى حلموا بها، وعاشوا بعدها فى حالة من الضياع، وسنوات من المعاناة والانكسار، لم يعرفوا خلالها مستقبلا، حيث كانت أحلام الغالبية انتهت مع سنوات التجنيد الإجبارية التى لم يكن أحد يعرف عددها، وبالتالى انتهت معها مشاريع الحب والزواج والأسرة، وكذلك ما ذاقه أهل مدن القناة من تهجير عن منازلهم، وحتى بعد انتصارنا فى حرب 1973، واستعادة الكرامة، لم يستعد هذا الجيل كيانه، ظل مكسورا ومهزوما، ولهذا فإن رواية «صافينى مرة» مرثية لهذا الجيل الذى حضر أحلامها ثم عاش واقعها المرير، ورصد لهذه الفترة هو رصد للواقع المجتمعى المصرى والتأريخ له.

نحن جيل الثورة والهزيمة، جيل الجلاء واحتكار السلاح وحرب 56 وتأميم القناة، جيل الوحدة مع سوريا، الآمال والطموحات، المصانع الثقيلة والسد العالى، النكسة والانتصار.. جيل حاولت التعبير عنه فى أحدث رواياتى (صافينى مرة) وفيها عبرت عن مرثية جيل ضاع من خلال أغنية عبدالحليم حافظ الذى بدأ معنا وعاش طموحات وأحلام هذا الجيل.

■ كانت أولى رواياتك «أمواج الخريف» عام 1997.. لماذا تأخرت تجربة السرد هكذا رغم قربكم من أحد أعمدة كتاب الرواية فى العالم وليس فى مصر وحدها؟

– نشأت فى أسرة متوسطة، كنت متفوقا فى الدراسة فالتحقت بكلية الهندسة، لكن ظلت متعتى فى السينما، حيث كان منزلنا فى شبرا قريبا من سينما دولى و الجندول، و أمير بشارع خلوصى، ثم بدأت ارتياد الأوبرا والمسارح، فقد كنا جيلا محظوظا بالحركة المسرحية ونهضتها فى الستينيات من القرن الماضى، وكانت فترة غنية لأى شاب مقبل على الثقافة والفنون. وقد جاءت الرواية لدى متأخرة بعد الشعر والكتابة المسرحية، وقد اختار نجيب محفوظ اسم روايتى الأولى هذه «أمواج الخريف» بعد أن قرأتها عليه، وتدور أحداثها حول أزمة منتصف العمر، لرجل سافر إلى جزيرة رودس بعد سن المعاش، وهناك رأى الحياة بشكل مختلف واقترح الاستاذ هذا الاسم للرواية.. وكان فى هذه الأثناء ينصحنى كثيرا بالكتابة يوميا، حتى لو كان المنتج سطرًا واحدًا، وتعلمت منه أن القضية ليست إلهامًا ووحيًا، ولكنها عمل منظم ودؤوب، يحتاج لقدر من الموهبة، مع الحرص على العمل اليومى بعيدًا عن أكذوبة طقوس الكتابة التى نسمعها كثيرا.

■ كتبت رواية «شبرا»، سنة 2000 وصاحبتها ردود فعل.. ما تفاصيل القصة؟

– كنت متوترا من ردود الفعل حولها، فقد جاءت بعد فترة التسعينيات وهى فترة عصيبة فى تاريخ مصر.. اغتيال فرج فودة، محاولة اغتيال نجيب محفوظ، ظهور التيارات المتطرفة بطريقة لم نشهدها من قبل، سعى الإسلام السياسى للسيطرة على الحكم.. كل هذه الأحداث تفاعلنا معها فأردت أن أستعيد حياة الخمسينيات والستينيات، ووضحت فى الرواية كيف عاش المصريون فى بيت واحد يجمع مسيحيين، مسلمين، ويونان، وأرمن، حاولت أن أبين كيف كانت مصر قبل أن يسيطر النسيان على الجميع، وبسبب نصائح الأستاذ وسعت دائرة التوزيع، رغم أننى طبعت الرواية على نفقتى الخاصة قبل أن تطبعها دار نشر مدبولى فى الطبعة الثانية.

■ كنت رفيقا أساسيا فى جلسات الكاتب الكبير نجيب محفوظ.. ماذا عن التفاصيل الدقيقة فى حياة الأستاذ؟

– كنت أذهب إليه فى بيته قبل جلسة الثلاثاء، ولأنه كان دقيقًا فى مواعيده، ينتظرنى خلف الباب، وكثيرًا ما كان يفتح الباب أكثر من مرة قبل وصولى، وفور ظهورى، ننطلق إلى موعده الذى لم يتخلف عنه يومًا ولم يتأخر دقيقة واحدة.. وفى إحدى المرات، كان معه قى البيت، رفيق الحريرى، رئيس مجلس الوزراء اللبنانى الأسبق، لأن الأستاذ يكره أن يغير مواعيده من أجل أحد، طلب من الأمن أن يسمحوا لى بالدخول، وقال لى، لن نعتذر عن جلستنا، وبعد نصف ساعة فقط استأذن من ضيوفه وتحركنا.. وكانت المرة الثانية التى دخلت فيها منزله، عندما دعانى بنفسه إلى حضور تكريمه من السفارة الفرنسية، وقابلت وقتها المخرج الكبير توفيق صالح، وعادل كامل من الحرافيش الحقيقيين.

■ ومن هم الحرافيش الحقيقيون هؤلاء؟

– بداية مجموعة الحرافيش كانت فى الأربعينيات وكان من بينهم الفنان أحمد مظهر وتوفيق صالح، والدكتور مصطفى محمود والشاعر صلاح جاهين، والكاتب محمد عفيفى، ورسام الكاريكاتير الشهير بهجت عثمان، وكانوا يجتمعون فى فيلا عفيفى، ويحضر الأستاذ وجبة الكباب معه وبعد انتهاء السهرة يستقلون إحدى السيارات للتجول بالقاهرة وأكل السودانى واللب طوال السهرة.

■ كنت واحدا من القلائل الذين زارهم نجيب محفوظ فى بيته.. هل تتذكر أسباب الزيارة وماذا حدث خلالها؟

– كنت قد خضت رحلة علاجية وأجريت 3 عمليات قلب مفتوح واستبدال 5 شرايين بأحد مستشفيات أمريكا، ولما عدت إلى مصر كانت المفاجأة.. فتحت الباب لقيت الأستاذ ومعه حارسه الخاص والكاتب الروائى يوسف القعيد، وعلمت أنه قال للأصدقاء: «السهرة النهارده عند نعيم»، وبالفعل قضى ببيتى فى شارع عمار بن ياسر بمصر الجديدة، 4 ساعات كاملة مرت كالبرق، وكانت صدفة لا تنسى لمن زارنى خلال هذه الساعات الأربع، ومنهم الدكتور زكى سالم، والشاعر والمخرج شوقى حجاب، وصديق ثالث، كفيف، من أصدقاء عمار الشريعى وقتها، بالإضافة لزوجتى وابنتى حيث كانت الجلسة أسرية بامتياز.

■ أين كنت وقت محاولة اغتيال الكاتب الكبير؟

– كنا كالعادة فى انتظاره بكازينو قصر النيل، للندوة الأسبوعية التى تبدأ فى الخامسة مساء وتنتهى فى الثامنة والنصف، وكان ذلك يوم الجمعة 14 أكتوبر 1994، ولأننا نعرف دقة مواعيد الأستاذ بدأ القلق يساورنا بعد ربع ساعة من تغيبه، واتصل أحدنا بالبيت وعلمنا بالكارثة، وأن الأستاذ حاليا فى مستشفى الشرطة بين الحياة والموت.. وما حدث أن الطبيب البيطرى محمد فتحى، وكان صديقا للأديب العالمى نجيب محفوظ، ينتظره فى سيارته الحمراء، وخرج صاحب نوبل من بيته، المطل على نيل العجوزة، والتقى العسكرى المُكلف بحراسته، وطلب منه كالعادة أن يبقى مكانه ولا يُفارقه، ركب السيارة متجهًا إلى مقر الندوة، وفجأة اقترب شاب من الشباك المُجاور له، طعنه من الجهة اليُسرى لرقبته بسلاح أبيض، حالة من الفزع انتابت الدكتور فتحى، هل يتبع الشباب الذين نفذوا المحاولة الدنيئة أم يعود لإنقاذ الأستاذ، وبالفعل تحرك فى سرعة شديدة لمستشفى الشرطة بجوار منزله، واستدعى المستشفى الدكتور سامح همام من بيته، وهو أحد أعظم جراحى الأوعية الدموية فى مصر، وكان مدعوا على العشاء عند بعض أقاربه ولما عرف بالحادث جاء على الفور وبدأت العملية الجراحية من الخامسة والنصف وحتى العاشرة والنصف مساء.. 5 ساعات كاملة.. وكنت قد أسرعت مع مصطفى أبو النصر فور سماعنا بالخبر ونجحنا فى دخول المستشفى وقابلنا هناك زكى سالم، الذى دخل أيضًا، قبل وصول وزير الداخلية وجمال الغيطانى ويوسف القعيد.. وفى العاشرة تقريبا حضر أحد الأطباء وطلب منا توفير فصيلة دم نادرة، أعتقد كانت B نيجاتيف، ونزلت على الفور إلى سنترال المستشفى واتصلت بزوجتى وابنتى وطلبت منهما أن تنشرا بين كل المحيطين بنا أن الأستاذ محتاج لنقل دم سريعًا، وكانت الطعنة تسببت فى قطع شريان رئيسى لنجيب، وتحول المستشفى فى غضون دقائق قليلة إلى مظاهرة فى حب الأستاذ، وتم نقل 9 لترات له، وهى ضعف كمية الدم الموجودة فى الجسم تقريبا، وبعد العملية كان من الصعب زيارته لأنه انتقل بعدها للعناية المركزة.وخرج محفوظ من غرفة العمليات مساءً، الكل ممتن لأنه نجا.

المصدر: المصري اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق