اخبار السعودية

سعودي من عنيزة أصبح “عراب” الفن الهندي


خبر قصير نشره حساب “ثقافة وفنون الدمام” في تويتر “حول تكريم الفنان والمخرج السعودي/ الهندي إبراهيم بن حمد القاضي، يوم الجمعة المقبل، في مهرجان أفلام السعودية، كان له وقع كبير على المتابعين، لأن قلة فقط من السعوديين تعرف أن عراب وأب الفن الهندي هو سعودي الأصل ومن منطقة القصيم تحديداً. لماذا التكريم؟ يقول أحمد الملا، مدير مهرجان أفلام السعودية، إنهم حريصون على ترسيخ مفهوم وتقليد جديد يميز المهرجان عن غيره، ويتمثل في تكريم الرواد الذين ما يزالون على قيد الحياة، ولهم إسهامات فنية وأهداف سامية، وضرب مثالا على ذلك بتكريم الأستاذ عبدالله المحيسن صاحب أول فيلم سعودي من إنتاج سينمائي في فيلمه الوثائقي “اغتيال مدينة”، وذلك في الدورة الأولى للمهرجان العام الماضي. ويضيف في حديثه لـ”العربية.نت” عندما وقع اختيارنا في هذه السنة الثانية على الممثل والمخرج إبراهيم القاضي وجدنا أن العناصر التي نبحث عنها موجودة فيه فهو حقق أحد الأهداف السامية وهي تبادل الثقافة بين الحضارات، فقد كان القاضي صلة وصل بين الحضارة الهندية العريقة، مع الحضارة العربية، وبالذات في كونه سعودي الأصل. ويضيف الملا متحدثا عن الهدف من التكريم: أردناه أن يكون ملهماً للشباب، وصناع الأفلام، فالكثير من الشباب يعانون في بداية حياتهم من المصاعب، والقاضي بالنسبة لنا كنز، وإن كان خفي عن الكثير من شبابنا، ولكن عندما وجدناه حرصنا على رفع الغطاء عنه ليضيف هذا الوهج لصناع الأفلام في مهرجاننا، وهو خير مثال لمن صنع التاريخ، وأنتج على مستوى عالمي، وغرس بيئة جديدة له واستطاع أن يحقق ذاته، ليكون قدوة لجيل الشباب. وعن التكريم يختم الملا حديثه لـ”العربية.نت” بالقول: سيكون هناك فيلم وثائقي عن القاضي يعرض ليلة الافتتاح، وسوف تقدم له نخلة ذهبية، وسيصدر كتاب يشمل سيرة حياته وسينشر في مختلف مواقع المهرجان.

ماهي قصة إبراهيم القاضي؟ في أواخر السبعينات من القرن الماضي، وقبيل اكتشاف بحور النفط في دول الخليج كانت قوافل التجارة التي اشتهر بها عرب الجزيرة مع الهند والشام، تمضي قدما في رحلاتها الصيفية والشتوية. ومن إحدى قرى القصيم، وتحديداً ضاحية “عنيزة” في تلك الأيام انطلقت إحدى القوافل وهي تحمل معها أحد الشباب السعودي الذي حمل معه أحلامه وطموحاته بالعودة غانماً من تلك البلاد. وهناك في مدينة ” بوني” الهندية كان على ذلك الشاب، الذي يُدعى حمد العلي القاضي أن تكون له تطلعات أخرى وخطوات تاريخية سيكون لها الأثر الأعمق في التاريخ الفني والثقافي للهند مطلع القرن القادم، حيث تزوج وأنجب عدداً من الأبناء من بينهم ابنه إبراهيم. عراب الفن الهندي ومن هنا تبدأ قصة “ابراهيم القاضي” .. ابن ذلك الرحالة التاجر الذي خرج من مدينة عنيزة في أطراف السعودية التي لم يكتمل نموها بعد في تلك الفترة من مطلع القرن الماضي، ليصبح أباً لأحد أهم رواد الإخراج المسرحي وتدريس فن الدراما في الهند، إضافة لكونه مؤسس ومدير المدرسة الوطنية للدراما، إضافة إلى إطلاقه مؤسسة القاضي للفنون في نيودلهي. ولد ابراهيم في مدينة “بوني” عام 1925، وتلقى تربية دينية إسلامية منفتحة على محيط غير إسلامي، و يوصف بأنه حامل لواء التقاليد المسرحية ومخرج أعاد تعريف واقعية الدراما الهندية وأهدافها بطريقة جديدة. معلم ربى أعظم المواهب في الحقبة الجديدة. يتحدث ابراهيم القاضي عن والده، علي القاضي، في الكثير من المقالات التي كتبها، بالكثير من الحنين، ويذكر دائما مسقط رأسه وجذوره في الجزيرة العربية. ويقول: “جذوري تمتد إلى المملكة العربية السعودية، ولكن أغنى السنوات من حياتي هي تلك التي قضيتها في” بوني”، حيث ولدت وترعرعت. والتعليم الذي تلقيته هناك، من والدي، ومن المدرسة اليسوعية والحياة الغنية للمنطقة التي ساهمت في تشكيل الشخص الذي أنا عليه اليوم”.

عراب القرن العشرين ابراهيم القاضي ليس فقط منتجا سعوديا استقر في الهند، وإلا ما كانت القصة ذات بال، بل هو وبدون مبالغة “عراب القرن العشرين” في الهند، فهو مؤسس الفنون، ورائد الإنتاج المسرحي، وعملاق الأدب الهندي، مما يجعل تداول حياته وانطلاقته خصوصاً مع جذوره السعودية المباشرة سبقاً إنسانياً يجب أن نضعه في دائرة الضوء ومحيطه المعرفي لكونه أحد الرموز الهندية التي تحظى باحترام وتقدير عميق في الوسط المسرحي والأدبي للحقبة المعاصرة في الإنتاج الفكري الهندي الذي بدأ يكتسح أبواب العالمية عبر أقنية متعددة منها السينما والمسرح والأدب. القاضي في الـ 90 من العمر، ولكن ظهوره في بدلة أنيقة وقوام ممشوق يبدو أصغر ب 25 عاما. يقول أحد طلابه في فترة السبعينات عندما يصف القاضي: بإمكاننا تخيل الشخصية بلا نهاية، كان أستاذا ذا كاريزما. ينطلق إبراهيم القاضي في حديثه، ويسهب حول تربية والده له والتي استمدها من التعاليم الإسلامية على الرغم من نشأته في أجواء ليبرالية، إلا أن والده حرص على زرع التأثر الفكري والنهم الأدبي في داخل أعماق إبراهيم وإخوته التسعة عبر توفير الكتب وتخصيص مدرس يعلمهم اللغة العربية، التي كانت أحد ركائز تحصيلهم الفكري خلال نشأتهم التي استمدت رغم تغيرها الجغرافي كل السلوكيات والممارسات الفكرية العربية ذات الطابع الإسلامي. يقول عن هذا المنحى: “والدي كان رجلا علم نفسه بنفسه، وأنشأ مكتبات أينما ذهب تشمل موسوعات وكتبا باللغة الإنجليزية. كما كان يشترك في اقتناء أحدث الصحف والمجلات في العالم العربي كالأهرام المصرية. كنا نقرأ عن نجيب محفوظ قبل وقت طويل من فوزه بجائزة نوبل”.

“كنا نتكلم العربية فقط” وأضاف: “وعمل في البداية مع أعضاء عائلة “بسام”، الذين كانوا رواد العرب في تجارة الشاي، وتطور والدي بعد ذلك ليصبح رجل أعمال مستقل حيث كان يتاجر في المنسوجات والشاي والأقمشة وبضائع أخرى”. مضيفاً “كان والدي يؤمن إيمانا راسخا بجذورنا الثقافية التي تعود إلى المملكة العربية السعودية وكنا نتكلم في المنزل اللغة العربية فقط، وكان لدينا مدرس للغة العربية والدراسات الإسلامية جيء به من المملكة العربية السعودية وعاش كأنه جزء من عائلتنا”. يصف النقاد ابراهيم بأن خلفيته الليبرالية ساهمت بنجاحه في عدة طرق. ويقول ردا على سؤال حول سر قوته وسرعة تأثيره: ” فكري.. وتواضعي .. وسعيي الدائم لإثراء معرفتي”. “لم تتح لي أبدا عطلة يوم واحد من الدراسة. عندما أعود من المدرسة الثانوية اليسوعية “سانت فنسنت” أنكب على دراسة القرآن وتفسيره في المنزل، الشيء الذي منحني أساسا متينا في الدين الإسلامي والدراسات الإسلامية”. ويواصل ابراهيم حديثه عن والده الذي كان أول فرد من عائلة القاضي خرج يتيماً بقصد التجارة إلى الهند، حيث أرسله أعمامه الى “بومباي” الغنية بتقاليد عربية جلبها أوائل التجار العرب. الاستقرار في الهند ومن “بوني” التي وصلها والده عام 1905 حيث كانت سباقات الخيول العراقية الشهيرة في بوني قد استقطبت التجار العرب، حيث تمكن والده من تحقيق الكثير من الصداقات هناك مع العرب وغير العرب ما جعله يستقر هناك حيث أسس له هوية تابعة للأرض دون الانسلاخ عن جذوره الأصلية التي يتحدث عنها ابراهيم وعن آثارها من خلال ما يورده من تعاليم وسلوكيات وتقاليد زرعها والده الراحل فيه، وفي بقية إخوته. يقول ابراهيم: “لم تكن العائلات العربية تختلط كثيرا مع الآخرين، لكن والدي كان يتمتع بعلاقات وطيدة مع أناس آخرين غير العرب”. مضيفا: “ذهب والدي إلى إنكلترا في عام 1947 لدراسة الفن، ولكن انتهى به المطاف في الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية، حيث تلقى تدريبا في مسرح معترف به من قبل الجامعة البريطانية للعمل الدرامي ثم حصل على جائزة استحقاق من” بي بي سي” عام 1950.ورفض عروض عمل كثيرة في المجال المسرحي في لندن، وعاد إلى الهند للانضمام إلى “مجموعة المسرح”. تلك الحقبة من مطلع القرن الماضي، كانت أرضاً خصبة للتجارة والترحال، وخلال الأعوام التي تلت ذلك تم اكتشاف العديد من الجذور السعودية والعربية لكثير من الشخصيات الشهيرة والمؤثرة في الكثير من الدول الآسيوية والعالمية.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من النسخ !!