أخبار دوليةأخبار عربية ودوليةاخبار الصحف العالميةاخبار الصحف المصريةتحقيقات وملفات

تاريخ التهجير العثماني الأسود.. أردوغان يرسم خريطة الشرق الأوسط العرقية




كتب – محمد الصباغ:

تتماشى المساعي التركية في سوريا في الوقت الحالي مع التاريخ الطويل من التهجير القسري للسكان الذي مارسته الإمبراطورية العثمانية، ولكن الأمر المأساوي حاليا هو أن يكون أحفاد من تم تهجيرهم قسرا من مناطق في تركيا بالقرن الماضي هم ضحايا جدد لغزو شنته تركيا في سوريا.

رصدت مجلة فورين بوليسي الأمريكية في تقرير لها الجمعة، تاريخ الإمبراطورية العثمانية والدولة التركية المرتبط بعمليات التهجير القسري وتغيير التركيبات السكانية.

يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حاليا إلى إعادة رسم الخريطة العرقية بالشرق الأوسط، بحسب المجلة، دون دراية ربما بأن بعض النازحين المسيحيين في هذه الأيام الذين هربوا من مدينة رأس العين شمالي سوريا بعد الغزو التركي يواجهون وصدمات ناجمة عن الماضي بجانب الحاضر، حيث كان أجدادهم في تركيا قد تم تهجيرهم قسرا من مناطقهم هناك.

أعلن أردوغان في أوقات سابقة كثيرة أنه يعمل على توطين اللاجئين السوريين في المناطق التي يحتلها شمالي سوريا، ويحاول إقامة ما يقول إنها "منطقة آمنة"، في وقت قدم فيه خطة للأمم المتحدة تشمل إعادة توطين من 1 إلى 2 مليون لاجئ سوري يعيشون في بلاده منذ بدء الحرب السورية.

سيكون أغلب اللاجئين العائدين من المسلمين السُنّة الذين غادروا من حلب وإدلب خلال المعارك مع الحكومة السورية والمعارضة المسلحة، ولكنهم سيأتون إلى مناطق مختلفة أغلب تركيبتها السكانية التي كانت تعيش فيها من الأكراد والمسيحيين.

ترى فورين بوليسي أن ذلك سيمثل عقبة أمام أردوغان، في وقت تواجه تركيا اتهامات بمحاولة تغيير التركيبة السكانية في المنطقة من أجل تقليل الوجود الكردي والعناصر المؤيدة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري الذي تعتبره أنقرة عدوا لها.

يبدو أن أردوغان يشعر بالراحة مع استخدام تغيير التركيبات السكانية كوسيلة سياسية للوصول إلى أهدافه، فهو يواصل تهديد أوروبا باستخدام اللاجئين كسلاح والسماح لهم بالعبور إلى القارة الأوروبية.

وهدد بذلك مؤخرا مع الانتقادات الأوروبية التي طالت غزو قواته لمناطق شمالي سوريا تحت مسمى عملية "نبع السلام". وفي يوم 24 أكتوبر الماضي، قال أردوغان خلال لقاء مع صحفيين إن "العرب هم المناسبون لتلك المنطقة"، في إشارة إلى عملة دمج سكاني في شمال سوريا. وأضاف "تلك المناطق لا تلائم طبيعة الحياة الكردية، لأنها صحراوية".

"رعب كردي"

كانت السفيرة الأمريكية السابقة بالأمم المتحدة سامنتا باور، أحد أبرز منتقدي الرئيس التركي وضمن من اتهموه بالتخطيط لعملية تطهير عرقي للأكراد في سوريا، وذلك بعد تهجير 300 ألف كردي من شمالي سوريا مع بدء الغزو التركي بالتعاون مع مسلحين من المعارضة السورية المسلحة.

كما أن ذلك يعيد بالذاكرة ما حدث بمدينة عفرين حينما احتلتها تركيا عام 2018، ونزح على إثر ذلك حوالي 170 ألف شخص أغلبهم من الاكراد، بحسب إحصائيات أممية.

تقول دارين خليفة، كبيرة المحللين بالشأن السوري بمجموعة الأزمات الدولية، إنها عادت مؤخرا من شمالي سوريا ورأت الخوف من الخطة التي يحاول أردوغان تنفيذها حيث سيقوم بجلب السكان الجدد وأغلبهم من العرب ليكونوا مجموعة سكانية تفوق الأكراد الذي بقوا في منازلهم وقراهم.

وقالت إنه من المستحيل تخيل كيفية نقل تركيا لعدد هائل من اللاجئين إلى المنطقة الجديدة، لكنها تعتقد أن أنقرة ربما تحاول "الضغط من أجل عودة عدد من اللاجئين إلى هذه المناطق من أجل أن تكون قادرة على الترويج لذلك داخليا".

ويمثل العدد الكبير من اللاجئين السوريين في تركيا عبئا على أنقرة، وهو ما كان سببا في خسارة كبيرة لحزب أردوغان في الانتخابات التي أجريت في يونيو الماضي.

وبحسب منظمة العفو الدولية، أجبرت تركيا وباستخدام العنف أحيانا، مئات اللاجئين السوريين على العودة إلى إدلب، وهي إحدى المدن الخطيرة التي لازالت المعارك تدور بها، وهو الأمر المخالف للقانون الدولي.

"تاريخ عثماني أسود"

ذكرت فورين بوليسي أن محاولات أردوغان الحالية تعتبر امتدادا لتاريخ طويل من التهجير القسري للسكان الذي مارسته الإمبراطورية العثمانية، وهو ما ترك بصمة لا يمكن إزالتها في شمالي سوريا خصوصا.

على سبيل المثال، تم تهجير سكان من مناطق الأناضول التركية إلى البلقان في القرن الخامس عشر من أجل ترسيخ الحكم العثماني. وهرب اللاجئين المسلمين من التطهير العرقي والمحاكمات التي تمارسها الإمبراطورية العثمانية في البلقان والقوقاز والقرم.

وبعد خضوع شبه جزيرة القرم للإمبراطورية الروسية في عام 1783 والحرب الثانية في البلقان عام 1923، هرب ما بين 5 إلى 7 مليون مسلم من الأراضي الخاضعة للسيطرة العثمانية. ثم استخدمتهم السلطة العثمانية مرة أخرى في لعبتها بعدما اعتبرتهم "مسلمين مخلصين" وقامت بتهجيرهم إلى مناطق حدودية لتأمين الإمبراطورية أو إلى أماكن تريد فيها دمجهم مع إقليات دينية أخرى.

كما كانت أهم جرائم التهجير القسري وتغيير التركيبات السكانية ما ارتكبته الإمبراطورية العثمانية بحق الأرمن وما وصل إلى حد الإبادة وليس التهجير فقط، حيث قُتل أكثر من مليون من الأرمن. واعترفت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرا بتسمية ما حدث بحق الأرمن بأنه إبادة جماعية ارتكبها العثمانيون في الفترة ما بين 1915 و1917.

أشار تقرير فورين بوليسي أيضًا إلى أن عملية التغيير الديموغرافي والتهجير القسري لعب دورا أساسيا في تأسيس الجمهورية التركية التي قامت على أنقاض الإمبراطورية في عام 1923.

ويقول ريان جينجيراس، الخبير التركي بقسم الأمن القومي في جامعة نافال للدراسات العليا بالولايات المتحدة الأمريكية، إن الأمر أشبه بقاعدة من أجل فرض دولة موحدة في كل الأناضول.

وأضاف صاحب الكتب العديدة حول تأسيس الجمهوريات على تاريخ من العنف، لمجلة فورين بوليسي "كان ينظر إلى ذلك على أنه أمر مشروع ووسيلة مؤثرة لفرض ثقافة قومية على الأرض والبشر".

بعد النجاة من المذابح ضد المسيحيين خلال الحرب العالمية، وجدت أقليات الأرمن والأشوريين والكلدان في جنوب شرق تركيا نفسها في دولة تحاول القضاء على وجودهم.

تعاملت الصحف التركية معهم على أنهم أعداء، ووضعت لهم مواعيد للرحيل. انتهى الأمر بهروب الكثير منهم إلى شمالي سوريا، والتي كانت آنذاك تحت الاحتلال الفرنسي.

حينها رحبت بهم فرنسا حيث كانت تدعم الأقليات من أجل إضعاف الأغلبية السُنية العربية. وبحسب فورين بوليسي، فإن عدد من اللاجئين المسيحيين في هذه الأيام، وبعضهم هربوا من مدينة رأس العين شمالي سوريا، يعارضون الغزو التركي ويواجهون اضطرابات وصدمات ناجمة عن الماضي أيضًا.

استمر التاريخ التركي من التهجير وتغيير التركيبات السكانية عبر التاريخ الحديث، ويتم ذلك حاليا ضد الأكراد في سوريا.

ويتابع جينجيراس حديثه "نرى دليل على ذلك حاليا، كما كان في التسعينيات. يمكن القول إن التغيير في التركيبة السكانية كان أحد الاستراتيجيات التركية لمواجهة حزب العمال الكردستاني في عامي 2015 و2016".

كانت أنقرة قد هجّرت ملايين الأكراد حينما هاجمت وحرقت آلاف القرى الكردية في تركيا في التسعينيات. وبعد انتهاء اتفاق لوقف إطلاق النار مع حزب العمال عام 2015، اندلعت المعارك في مدن الجنوب الشرقي التركي وقالت منظمة العفو الدوية إن حوالي نصف مليون شخص تم تهجيرهم.

لا يمكن التكهن بما إذا كانت أنقرة ستنجح في خطتها بشأن نقل اللاجئين إلى شمالي سوريا أم لا، لكن من الواضح أن ما يحدث ليس ما تخيّل هؤلاء السوريون اللاجئون أو في وطنهم لما يمكن أن تكون عليه وطنهم، حيث يتم ارتكاب جرائم حرب باسم "نبع السلام".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق