اخبار المنوعات

حتى لا نتهمهم بـ«الشقاوة» ..أطفال «فرط الحركة» مضطربون صحيًا



في سنوات الطفولة يبتهج الأبوان بأنشطة صغارهم في اللهو واللعب ومحاولة استكشاف العالم، ما يحفظان تصرفاتهم الطريفة عن ظهر قلب، لكن في بعض الأحيان ترهق تلك الأنشطة والتصرفات اليومية الأبوين، فيُمنح الطفل لقب «شقى» نظرًا لكثرة ما يخلق من متاعب ومشاكسات. من جهة أخرى، تتجاوز حدة نشاط بعض الأطفال وسلوكياتهم قدرة الكبار على التحمل والتوقع، مع عدم الاستجابة للأوامر المباشرة وعدم القدرة على الإنصات والانتباه لما يوجه إليهم من أحاديث أو نصوص مدرسية أو حتى برامج تليفزيونية؛ فتتحول «الشقاوة» إلى عبء على الأسرة يحملها متاعب اجتماعية ويعرقل مسيرة الصغير التعليمية، إضافة إلى تحمله اللوم والعقاب على التصرفات غير المنضبطة.. دون أن تعى الأسر أن ابنهم الصغير يعانى من اضطراب «فرط الحركة».

يمكن للفحص الطبى والاختبارات توضيح أسباب السلوك غير المألوف و«الزائد عن الحد» لدى الطفل الصغير، وردها إلى اضطراب شائع يُصيب الصغار ويتطلب رعاية طبية وأسرية خاصة، يُعرف هذا الاضطراب باسم «فرط الحركة ونقص الانتباه» ويُختصر في الإنجليزية إلى ADHD.

تحاول الدكتورة ياسمين يحيى رسلان، إخصائى الطب النفسى بمستشفى العباسية للصحة النفسية، شرح طبيعة فرط الحركة فتصفه باضطراب في التطور بشكل رئيسى ينتج عن عدم نضج جزء معين بالمخ ما يؤثر على الموصلات العصبية مع احتمالية التأثر بعوامل وراثية، وعادة ما تتطور أعراض الاضطراب مع الطفل منذ الميلاد ويمكن ملاحظتها بوضوح في سن الالتحاق بالمدرسة، حيث يواجه الطفل المُصاب صعوبة في الانتباه إلى شرح وتعليمات المُعلم أو الجلوس في مقعده لفترة طويلة مؤكدة أن الكفاءة في تأدية الوظائف تعتبر أهم علامات التمييز بين الطفل المشاكس والطفل المُصاب باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه فتقول: «الفرق في الوظيفة، في طفل لما بطلب منه يعد بيعد، إنما الطفل المُصاب مافيش حاجة بتوقفه، في النادى وفى الفصل والبيت بالنسبة لفرط الحركة، وفى نقص الانتباه بيبقى في صعوبة في تلقى التوجيهات والأوامر وتشتت كبير مع صعوبة في استيعاب المعلومة، وبتبقى شطارة الأهل هي الاكتشاف المبكر وعدم تجاهل الأعراض».

توضح «ياسمين» أن أعراض تشتت الانتباه تؤثر سلبًا على أداء الأطفال الدراسى خاصة في الحالات الحادة التي لا تتلقى علاجًا دوائيًا، إلا أنها تؤكد أن السيطرة على الأعراض ممكنة عن طريق تطبيق ثلاثة محاور علاجية تبدأ بتدريب الأبوين على التعامل مع الطفل، وتقسيم واجباته المنزلية واليومية إلى مهام أصغر، مع منح فواصل كافية بين أداء مهمة وأخرى، مع التأكيد على ضرورة عدم عقاب الطفل أو ضربه وتعنيفه على سلوكياته، يلى ذلك خضوع الطفل لجلسات تنمية المهارات التي تساعده على تنمية استجاباته ومهاراته عبر الأنشطة المختلفة، وأخيرًا إمكانية خضوع الطفل لعلاج دوائى في الحالات شديدة الحدة مع إمكانية التحكم في الجرعات الدوائية وتخفيضها في أوقات الإجازات، مؤكدة أن 50% من الأطفال المشخصين بالاضطراب تتحسن أعراضهم مع سن البلوغ ويمكن الاستغناء حينها نهائيًا عن العلاج الدوائى.

تؤكد الإخصائية النفسية، رانيا عليش، أن أغلب الأمهات لأطفال مُصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يتحملن معاناة كبيرة وضغوطا من الأسرة ومُحيط العائلة والأصدقاء، حيث تُفرض على الطفل عزلة اجتماعية بسبب سلوكياته غير المألوفة إلى جانب الشكاوى المتكررة من جانب المدرسة أو دار الحضانة؛ ما يؤدى في بعض الأحيان إلى تكرار فصل الطفل من المدرسة بسبب عجز الطاقم التعليمى عن التعامل مع أعراضه، غير أنها تؤكد أن تكرار تغيير البيئة المدرسية قد يؤثر سلبًا على رحلة الطفل العلاجية فتقول: «تكرار الفصل من المدرسة ممكن يخلى الولد تجيله نوبة اكتئاب ويبقى كاره المدرسة ورافض يعمل صدقات لأنه بتتكون عنده فكرة أن الوضع في المدرسة مؤقت وأنه هيترفد تانى وبالتالى كمان ممكن يطور سلوكيات عدوانية».

من واقع خبرتها تؤكد الإخصائية النفسية أن كلمة السر للتحكم في الأداء المدرسى للطفل المُصاب هو علاقته الخاصة مع مُعلميه داخل الصف الدراسى، وفى حين كوّن المُعلم علاقة من المودة والثقة المتبادلة والتفهم مع الطفل المُصاب فقد يُحسن ذلك من أدائه داخل مع زملائه بالإضافة إلى رفع قدرته على التحصيل العلمى وتشرح ذلك قائلة: «لما المدرس بيفهم شخصية الطفل واهتماماته وعلاقتهم بتبقى متزنة الطفل بيحبه وبيضغط على نفسه علشان ميزعلش المدرس منه، وبنلاقى دا متمثل في درجة الطفل في مادة معينة، وأحيانًا الأمهات بتستغرب وتقول مدام هو قادر يعمل كدا في مادة ليه مش كل المواد، لكن الفرق بيبقى في المدرس نفسه».

ترى «رانيا» كذلك أن السمات الشخصية للأم أو مقدم الرعاية وحجم ما يتلقى من دعم يؤثر كذلك على مدى استقرار الطفل المُصاب، مؤكدة أنه كلما حاولت الأم التمتع بقدر من الصبر والهدوء والتفهم تحسنت جودة الحياة اليومية وتقول: «مهم أن الأم ما تقلقش من الانتقادات، وأن الولد مايشفهاش محبطة لأن دا بيحسسه بالسوء، وأحيانا الأم بتعتقد أن الطفل عنده لا مبالاة تجاه الآخرين ودا مش حقيقى، الطفل بيكون واخد باله لكن عنده مرونة أكبر في التعامل»، تنصح رانيا كذلك بضرورة دعم الأم للطفل المُصاب في التجمعات والحرص على توجيه الطفل وتقويمه بنفسها دون تدخل من آخرين، بالإضافة إلى إمكانية شرح حالته ومدى تطورها والسبل المناسبة للتعامل مع الطفل بين أفراد العائلة المقربين كالأجداد والأعمام والأخوال.

توضح الإخصائية النفسية ذلك بأنه على الأم دائما اتباع استراتيجية مع الطفل لمحاولة التحكم في أعراضه، خاصة لدى وجوده في التجمعات العائلية أو في رحلات التسوق أو التنزه، كأن توصيه بحسن التصرف قبل مغادرة المنزل وتعده بمكافأة في حال التزم بالتوجيهات فتقول: «ممكن الأم تعمل اتفاق مع الطفل، وسط التجمعات، وتشرحله إنه محتاج يتصرف بشكل معين ولو التزم هياخد كذا أو هنعمل كذا كنوع من الترغيب»، أما في الأماكن العامة والأسواق فتقترح «رانيا» أن تحرص الأم على أن يبقى الصغير دائمًا ممسكًا بيديها، فيما تلاحظ تصرفاته عن كثب خاصة حركة الأطراف وتوجهه كلما استدعت الحاجة، مشيرة إلى أن الحديث إلى الطفل وإشراكه في المناقشات وحثه على القيام بمهام بدنية بسيطة تساهم في التحكم في الأعراض.

المصدر: المصري اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من النسخ !!
إغلاق