اخبار المنوعات

فرج مجاهد عبد الوهاب يكتب: سهير المصادفة و«لعنة ميت رهينة»



عندما يرتقى التخييل المفارق لواقعه الحقيقى أو الافتراضى، ويقفز فوق مصطلحه، ويهيم فى فضاء غرائبى وعجائبى، ينتقل- حينئذٍ- فعل الكتابة السردية إلى فضاء الفانتازيا التى يقف العقل أمامها وقفة المتأمل الحذر والمتسائل: إلى أين تصل غرائبية هذه الفانتازيا وإلام ترمى؟ وكيف من الممكن أن تخدم السرد الروائى أو الحكائى وقد مُلئت أنساقها برموز وإشارات غريبة، وعلى الرغم من أنها ليست عصية عن التفسير، إلا أنها تأخذ قارئها إلى مسارات تساؤلية، ومسارات ضيقة تفصح عن تساؤلات كثيرة، لاسيما عندما تكون مسيرة الأحداث والقابضة على خيوط اللعبة فتاة أكبر من عمرها، هذه الفتاة غير الطبيعية كانت من أبرز المحاور التى اشتغلت عليها المبدعة «سهير المصادفة» فى روايتها المتفردة بتناول فصولها «لعنة ميت رهينة».

فمن الواضح أن بداية كل فصل كانت قائمة على ذكر المكان مضافا إليه الناس بأوضاعهم المختلفة. فقد خرجت الحكايات من مكامن الذاكرة وروتها لأول غريب دخل ميت رهينة الذى قابله عبد الجبار وقاده ليتزوج البنت التى يحبها.

يصبح عبد الجبار واحداً من أكبر أغنياء ميت رهينة، فقد وصل إلى إحدى مقابر الفراعنة وحمل منها ما خف حمله وغلا ثمنه، ثم ردم باب المقبرة ولا من شاف ولا من درى، كانت هاجر بما أفاض عليها أدهم من ثروته واحدة من أميرات ألف ليلة وليلة، وتقول الروايات إن أدهم مات بعد زيارة عبد الجبار بأيام، وعاد عبد الجبار يحفر فى الأرض باحثا عن باب المغارة التى توصله إلى المقبرة فلم يستطع العثور عليه، تخلف هاجر فتاة رائعة الجمال اسمها ليلى وكانت تسحر الصغير قبل الكبير ولما كان أدهم شاعراً متميزاً فقد كان يسافر كل صباح إلى القاهرة ليقرأ شعره فى المقهى لرواده من الشعراء والفنانين، كما كان يشتغل على مخطوط ضخم يتحدث فيه عن قبيلة الشواف التى ينحدر منها.

وكانت نور قد أذهلت الجميع بقدرتها على قراءة أى شىء منذ الخامسة من عمرها، قرأت كل الكتب الموجودة فى مكتبة جدها أدهم الذى مات بمرض لم يعرف أحد تشخيصه.

من خلال قراءة نور لمخطوط جدها تصل إلى الباب السرى للسرداب الذى يوصل إلى المقبرة الفرعونية، وتستدعى عبد الجبار ليدخل السرداب بحيلة ذكية، وبعد أن فتحت الباب السرى ودخل السرداب مخمورا تسأله بغيظ:

ـ هل تتذكر كل ما نهبته يا عبد الجبار، هل قمت بتذويب التماثيل الذهبية التى تجاوز عمرها آلاف السنين، لماذا تريد الاستيلاء على بقية محتوياتها، هل تعرف أنك أحط من عرفت ميت رهينة؟، وتغلق الباب عليه مرددة: «ها أنت تموت يا عبد الجبار مختنقا بقيئك دون أن تملك حتى أن تحرك إصبعا».

وتغرق المبدعة فى التخييل حيث يتصور السائرون فى دروب ميت رهينة أن أشباحا تطاردهم، ويتساءل الناس عن اختفاء عبد الجبار، كما يتهامسون عن الاختفاءات الغريبة لبعض ناس ميت رهينة، ويقتل عبد الجليل ابن عبد الجبار أخاه الأكبر عبد الموجود، ذابح الجمال الذى كان والده يخفى فى معدتها الحشيش وعندما يحتاجه يذبح الجمل، وتغادر ليلى ميت رهينة سرا، وتزداد قائمة القتلى الذين كانت نور وراء قتلهم «عبد الجبار، ابن ستيتة، سلمى، الشيخ برهامى، عزوز متولى» ثم تحدث حادثة اغتصاب لسارة زوجة مايكل سمير «سكتنا وتحملنا كفركم فتماديتم وركبتم نساءنا، أغرق لعابه وجهها وسال على لحيته، كان هذا آخر ما تتذكره قبل أن تغيب عن الوعى تحت أجساد عشرين شابا ورجلا»، كما تكتشف سارة فى السرداب جثة لشاب لم يكن غير المهندس عمار المصرى الذى بنى القصر وحفر السرداب وبابه السرى فقتله أدهم ومات بلعنته، كما تخرج جدتها هاجر ولم تعد واختلفت الأقاويل عن أماكن وجودها، وتنفرج أسارير صلاح وهو يحضن داليا وهو يقول لها: تعالِ أحكيلك حكاية المهندس عمار المصرى كما حكتها جدتى رحمة لى، ويتحول الليل إلى نهار بسبب النيران التى اشتعلت فى قصر أدهم الشواف، وعندما أشرقت الشمس كان القصر قد اختفى كأنه لم يوجد يوما على هذه الأرض. ليكتمل نسيج رواية فريدة من روايات الغرائبى والعجائبى القائمة على أسطرة المكان الذى كان مركز دائرة النص، ومنه تتوزع الأحداث وعلى حافته تتأزم إحالة الشخصيات وهى تروى حكايات كفر ميت رهينة وصراعها من أجل الحصول على الآثار المدفونة فى باطن أرضها حتى جاءت نور بصفاتها العجائبية المفارقة للواقع لتنتقم من سارقى آثار بلادها ضمن أجواء حولت التخييل إلى عجائبى وغرائبى، وتحول إلى نوع من الفانتازيا التى لعب السحر والخوارق دوراً مهماً فى بناء مفارقات تلك الفانتازيا التى كان من أهم ما اشتغلت عليه وهو إسباغ القدسية على ما ليس مقدسا، فطالما الأسباب موجودة فستظل النتائج تعبد ولادة نفسها إلى ما لا نهاية، ومن هنا أبدعت «سهير المصادفة» فى كتابة رواية إشكالية ممتعة خلقت أجواء غرائبية مفارقة لأى واقع، وربما كانت تلك المفارقة أهم ما يميز الرواية المشغولة برهف الحس المبدع، وشفافية اللغة المنحازة دائما لذلك التخييل المتقن، وكما قيل على غلاف الرواية: «فى رواية لعنة ميت رهينة تجعل سهير المصادفة من المكان بطلا، بنسيج علاقاته المجتمعية، ربما تحويه أرضه من كنوز لا تقدر بثمن.

  • الوضع في مصر
  • اصابات 111,009
  • تعافي 101,179
  • وفيات 6,465
  • الوضع حول العالم
  • اصابات 55,344,660
  • تعافي 38,489,519
  • وفيات 1,332,080
فيروس كورونا.. إعرف عدوك
كيف تحمــــــــى نفســــــك ؟
الشائعة تقتل.. صحح معلوماتك
خلال المواجهة.. المصري اليوم معك

المصدر: المصري اليوم

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من النسخ !!