اخبار المنوعات

براءة.. قصة قصيرة لـ محمد شلبي أمين



تسرب إلىّ صوتها الدافئ من غرفتها البعيدة، اقتربت من الباب مجيبا، لأجدها متربعة على سريرها الملكى ممسكة برأسها، قالت بتودد ممزوج بالألم: هات لى العلاج من الأجزخانة؛ مدت يدها المرتعشة، أعطتنى العلبة الفارغة ملصقة بهاجنيها من الورق، غازلتها بحفظى للاسم، أصرت كى لا أنسى، رجتنى أن لا أتأخر لأن الألم يقاتلها؛ تنقلت بعينيها الحائرتين بينى وبين الماء المتساقط من السقف إلى الإناء كأنه يتساقط على رأسها؛ رأيت السماء تبرق، وسمعتها ترعد، وشاهدتها تغمرالأرض بالماء، شغلنى أنينها أكثر، خرجت كالسهم منحدرا يمينا لأسقط فى المنزلق المفضى إلى بيت العائلة، وأستقرممددا فى البركة التى تكونت بفعل المطر المتزايد، كم كانت مسبحا لنا طوال سنواتنا الأولى؛ ابتلت ملابسى، علق الطين بوجهى، تجاوزت اللحظة بطرق باب عمى، أجابنى منزعجا حين رآنى، قطعت عليه انزعاجه طالبا الحمار لأشترى الدواء لأمى، أشفق علىّ من المطر وظهرت حيرته التى لم أفهم سببها إلا بعد أن جلست على ظهر الحمار، فتكوم واضعا رأسه بين ساقيه، وأخذ يدور دورات سريعة، ثم انفجر قافزا فى الهواء مرتكزاعلى ساقيه الأماميتين ضاربا بالخلفيتين بعنف ليعيدنى إلى المستنقع فى رمية صائبة؛ أفقت والماء والطين يغمرانى، نهضت مسرعا قابضا على الفارغة والجنيه، جريت مخلفا عمى فى حيرته، وحماره المكّار ورائى إلى الأجزخانة، طريق طويل ملىء بالماء والطين، لم يشغلنى السقوط ولا ابتلال ملابسى، ولا حتى سخرية من مررت بهم أو سابقونى الخطى؛ أطال الصيدلى النظر إلىّ، تنقل بعينيه بينى وبين فارغة الدواء والأرفف المعلقة،

عاد آسفا.. مش موجود؛ عقلى الصغير لم يقتنع بالعودة، ولا حل سوى فى المدينة، ومادام المطر غزيرا تتوقف السيارات، لا وسيلة سوى القطار، علىّ أن أعبر النهر إلى البر الغربى، وأسير طريق طويلا بين الأراضى الزراعية، صعودا وهبوطا؛ كل من مر بى رمقنى بنظرات طويلة، عجبا من هيئتى، وقصرى، ربما أكون الطفل الوحيد الذى يسير فى هذه الساعات من الشتاء؛ وصل القطار، صعدت زائغ البصر، وقفت مسندا ظهرى ورأسى إلى حامل يتوسط العربة، نظر الكومسرى إلىّ مشفقا، ربت على كتفى سائلا:

نازل فين يا ابنى؟، أجبت المنصورة.

قال فى حنان أبوى: خلى بالك من نفسك.

توقف القطار؛ لأول مرة فى حياتى تطأ قدمىّ هذه المدينة التى عشقتها من حكايات أبى وأمى ومسامرات الخلان؛ خرجت من المحطة لاهثا أبحث عن الأجزخانة، وجدتها، دخلت مادا يدى بالجنيه والعلبة الفارغة يغلفهما الماء والطين كملابسى وجسدى كله، نظر الرجل إلىّ كما فعل كل من مررت بهم، سألنى جاى منين؟، أجبت من بلدنا، ابتسم ابتسامة عريضة، أعطانى العلاج فأدفأ قلبى وجسدى من البرد الشديد، برقت عينى، ظهرت سعادتى التى تجاوزت حدود المدينة لتصل قريتى أسرع من القطار؛ قفزت خارجا إلى المحطة منتظرا قطارالعودة، فى الطريق امتدت يد خشنة لتهزنى بقوة، استدرت لأجد الرجل يسألنى: التذكرة؟، لم أفهم حنان الرجل الذى قابلته فى قطار الذهاب إلا حينما نظرت فى هذا الوجه العابس، وضعت يدى فى جيبى بيقين وأخرجتها فارغة، صرخ فىّ غاضبا: التذكرة، اختنقت فرحتى، تبدلت مشاعرى، اهتز جسدى، أحسست ببرودة الدنيا، لم أجب، قطع أحدهم علىّ حيرتى حين هم مسرعا من مقعده وضمنى إلى صدره مادا يده للرجل بثمن التذكره، نظر إليه فى حيرة وقال: ظننته منهم، تركنا ومشى، مسح الرجل دموعى المنهمرة، وأجلسنى بجواره؛ توقف القطار، قفزت خارجا مخلفا ابتسامته الصافية ورائى، جريت عائدا بين الزراعات منتشيا بالنصر، هواء الشتاء البارد يملؤأنفى؛ قطعت الكلاب نشوتى حين تجمعت لتزفنى نباحا، أسابق الريح وأسبقهم حتى إذا اقترب إحداها من قدمى انزلقت لأسقط مرعوبا من هذه الحفلة التى سيقيمها علىّ كلاب الأرض نهشا وغيبة، صرخت.. يا الله، كما فعل أبى حين حاصره اليهود فى سيناء؛ توقفت الكلاب بعيدا عنى، لم يتوقف نباحها، قفزت مسرعا صارخا ياريس، عاد بقاربه باسما ليحملنى معه قبل الغروب إلى البرالشرقى، حين لامس القارب اليابسة قفزت منطلقا كالبرق؛ داخل الدار وجدت أبى يقتله القلق صارخا: تركت أمك مريضة تتألم، وأهملت دروسك.. أين كنت يا ابن..؟، قاطعته رافعا يدى فى محاولة للنجاة من العقاب: كنت با اشترى العلاج، هدأ قليلا، باغته قافزا إلى حضنها، ضمتنى إليها بقوة ألمها لتمنعه من الوصول إلىّ، قصصت رحلتى، انفرجت أساريره، أشرقت الشمس فى جبينه، تبدل غضبه فرحا وعزا وفخرا، اختطفنى من حضنها بيد واحدة، ليضمنى لأول مرة فى حياتى إلى صدره.

دفء حضنه أنسانى كل شىء.

  • الوضع في مصر
  • اصابات 111,009
  • تعافي 101,179
  • وفيات 6,465
  • الوضع حول العالم
  • اصابات 55,344,660
  • تعافي 38,489,519
  • وفيات 1,332,080
فيروس كورونا.. إعرف عدوك
كيف تحمــــــــى نفســــــك ؟
الشائعة تقتل.. صحح معلوماتك
خلال المواجهة.. المصري اليوم معك

المصدر: المصري اليوم

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي من النسخ !!